الوصف
«هذا الكتاب أكتبه في أواخر حياتي، لا أريد أن أخاطب به المسلمين الذين أنا منهم ابتداءً، بل أريد أن أخاطب به غير المسلمين أولاً، سواء أكان لهم دين وثني أم كتابي، أم لم يكن لهم كتاب ولا رسول، أم لم يؤمنوا بأي دين قط، كما هو شأن الملاحدة، الذين لا يؤمنون بإله واحد ولا متعدد، ولا يؤمنون بحياة آخرة بعد هذه الحياة التي نعيشها، فهم لا يؤمنون بأن لهذا الكون إلهًا، ولا بأن لهذا الإنسان روحًا، ولا بأن مع هذه الدنيا آخرة، لهذا كان لا بد لكل إنسان أن يفكر في أمره بصراحة وشجاعة، أمر نفسه ومصيره: ما هو؟
لا بد لكل من في هذه الدنيا أن يموت، رجلاً كان أو امرأة، غنيًّا كان أو فقيرًا، متعلِّمًا أو أميًّا، فهل الموت فناء محض؟ فلماذا كانت الحياة؟ أم هناك حياة أخرى؟ وما هذه الحياة؟ وهل لها مِنَّا مطالب؟ وما هي؟
لا بد أن يُعمِل الإنسان عقلَه في هذه القضية الكبيرة، التي ينبغي أن تقدَّم على كل القضايا، السياسية والاقتصادية، والعلمية والتِّقنية، التي يبحث فيها الناس ويتكلمون، ويُصدرون توصيات وقرارات، وقد لا يستطيعون أن يصلوا فيها إلى شيء يُجمِع عليه الناس، إذا تأخرت الأفكار وتحكَّمت الأهواء، وتصدرت الشهوات، وغلبت المصالح الشخصية أو الحزبية أو الفئوية.
لا بد للناس أن تؤرقهم وتوقظهم وتتعبهم هذه القضية الكبرى، التي يبحث كل إنسان فيها عن هويته، وعن موقعه في هذا الوجود، وخصوصًا بعد أن يُنقض هذا الكيان القائم، وهو الكون، ويأتي كيان آخر: ماذا له فيه؟
مَن لا يؤمنون بأن لهم ربًّا خلقهم، وخلق هذا الكون، ودبَّره لهم، يعتبرون حياتهم عبثًا، ولغطًا لا معنى له، وسوقًا تقوم وتنفضُّ، ولا شيء وراءها، وإذا بحث الإنسان في قضية «المصير»، فلا بد أن يجرَّه ذلك إلى قضية «المبدأ»، من أين أتيتُ؟ ومَن جاء بي؟ ومَن الذي جاء بهذا العالم الكبير من فوقي ومن تحتي؟ ولماذا هذه المخلوقات الكثيرة من حولي؟ وما المقصود منها؟”