الوصف
“ما الذي تعنيه تشيرنوبل؟ بالنسبة للآلاف حول العالم، لم تكن كارثة المفاعل النووي تعني أي شيء أكثر من صور مثيرة للدهشة والاستغراب لأطفال مولودين بإعاقات غريبة، ونباتات وحيوانات مصابة بطفرات جينية جعلتها تنمو في أشكال غير مألوفة؛ صور معظمها غير حقيقي، مُلفّق. إلا أن الحقيقة كانت أكثر غرابة، وأكثر عصيانا على التعبير بالحروف والكلمات.
احتاج الأمر إلى سنوات طويلة من الضحايا كي يستوعبوا، كي يفهموا ويُشكّلوا سردا لحكاياهم التي لا يوجد لها مثيل. حكاياهم التي امتزج فيها الألم بالوحدة، فمصابهم لم يشاركهم فيه أحد في تاريخ البشرية لا من قبل ولا من بعد، وقصصهم تضافر فيها الحنين لماضٍ لم يعد له وجود، مع العجز عن تجاوزه لمستقبل أقل إيلاما، أما أرواحهم، فحتى بعد أن فقدت القدرة على الإيمان بكل ما آمنت به يوما، ظلت تتعطش إلى المعنى.
في نهاية تلك السنوات، كان قلم سفيتلانا أليكسييفيتش في انتظارهم. طافت الصحافية البيلاروسية الفائزة بجائزة نوبل عام 2015 حول الأراضي المنكوبة، لملمت كلمات الضحايا والشهود، سجّلت ما رأوه، ما شعروا به، ما رووه عن حياتهم التي ما عادت لما كانت عليه أبدا، عن أحبائهم الذين فارقوهم، وعن أبنائهم الذين فقدوا طفولتهم قبل أن يعيشوها. حاكت أليكسييفيتش تلك الأصوات معا، لتؤلّف معا كتابها “صلاة تشرنوبل”، الذي صار بمنزلة تاريخ موازٍ لذلك المحفوظ في المستندات الرسمية والأبحاث العلمية، تاريخ ترويه أصوات إنسانية يبحث بعضها عن الالتئام، ويصلي بعضها من أجل المغفرة. “